ابراهيم بن عمر البقاعي
27
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
المتخلق به جامعا لانتهاء كل خلق وكمال كل أمر ، فلذلك هو صلّى اللّه عليه وسلّم قثم « 1 » الكون . وهو الجامع الكامل . ولذلك كان خاتما ، وكان كتابه ختما ، وبدأ المعاد من حد ظهوره ، إنه هو يبدىء ويعيد ، فاستوفى صلاح هذه الجوامع الثلاث التي قد خلت في الأولين بداياتها وتمت عنده نهاياتها ؛ « بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » « 2 » رواه أحمد عن معاذ رضي اللّه عنه رفعه ، وهي صلاح الدنيا والدين والمعاد التي جمعها في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم فيما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه : « اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري ، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي ، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي » « 3 » وفي كل صلاح إقدام وإحجام فتصير الثلاثة الجوامع ستة مفصلات هي حروف القرآن الستة التي لم يبرح يستزيدها من ربه حرفا حرفا ، فلما استوفى الستة وهبه ربه حرفا جامعا سابعا فردا لا زوج له ، فتم إنزاله على سبعة أحرف . فأدنى تلك الحروف هو حرف إصلاح الدنيا ، فلها حرفان : أحدهما حرف الحرام الذي لا تصلح النفس والبدن إلا بالتطهير منه لبعده عن تقويمها ؛ والثاني حرف الحلال الذي تصلح النفس والبدن عليه لموافقته لتقويمها ؛ وأصل هذين الحرفين في التوراة ، وتمامهما في القرآن . ثم يلي هذين حرفا صلاح المعاد : أحدهما حرف الزجر والنهي التي لا تصلح الآخرة إلا بالتطهير منه لبعده عن حسناها ، والثاني حرف الأمر الذي تصلح الآخرة عليه لتقاضيه بحسناها ، وقد يتضرر على ذلك حال الدنيا ، لأنه يأتي على كثير من حلالها لوجوب إيثار الآخرة لبقائها وكليتها على الدنيا لفنائها وجزئيتها ، لكون خير الدنيا جزءا
--> ( 1 ) القثم : بالضم الكثير العطاء والجموع للخير القثوم : الجموع للخير واقتثمه استأصله ومالا كثيرا أخذه واجترفه وجمعه اه محيط . وقثم له في المال إذا أعطاه قطعة جيده ، واسم الفاعل قثم اه مصباح . ( 2 ) حسن . أخرجه أحمد 2 / 381 والحاكم 2 / 613 والديلمي في الفردوس 2098 كلّهم من حديث أبي هريرة ولفظ أحمد « إنّما بعثت لأتمم صالح الأخلاق » . وأخرجه مالك في الموطأ 2 / 904 بلاغا بلفظ « بعثت لأتمم حسن الأخلاق » . وقال ابن عبد البر : هو حديث مدني صحيح متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة وغيره ا ه المقاصد ص 105 وصححه الحاكم ووافقه الذهبي ، والصواب أنه حسن . وقال السخاوي في المقاصد الحسنة ح 204 : معناه صحيح ، وقد عزاه الديلمي لأحمد عن معاذ ، وما رأيته فيه ، والذي رأيته عن أبي هريرة ا ه المقاصد الحسنة ص 105 . ( 3 ) صحيح . أخرجه مسلم 2720 والديلمي في الفردوس 1934 كلاهما من حديث أبي هريرة . بزيادة : « واجعل لي الحياة زيادة لي في كل خير ، واجعل لي الموت راحة لي من كل شر . » وورد من طريق آخر عن كعب أن صهيبا حدثه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . . . » أخرجه النسائي 3 / 73 وفي الكبرى 1269 وابن خزيمة 745 وابن حبان 2027 .